أحمد بن محمد القسطلاني

134

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

ولا قائل بوجوب التطوع ، فتعيّن أن يكون المراد إلا أن تشرع في تطوّع فيلزمك إتمامه . وفي مسند أحمد من حديث عائشة رضي الله عنها قالت : أصبحت أنا وحفصة صائمتين فأهديت لنا شاة فأكلنا ، فدخل علينا النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فأخبرناه فقال " صوما يومًا مكانه " والأمر للوجوب ، فدلّ علي أن الشروع ملزم . ( قال ) وفي رواية أبي الوقت والأصيلي فقال ( رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وصيام ) بالرفع عطفًا على خمس صلوات وفي رواية أبي ذر وصوم ( رمضان . قال ) الرجل ( هل عليّ غيره ؟ قال ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( لا إلا أن تطوّع ) فلا يلزمك إتمامه إذا شرعت فيه أو إلا إذا تطوّعت ، فالتطوّع يلزمك إتمامه لقوله تعالى : { ولا تبطلوا أعمالكم } [ محمد : 33 ] وفي استدلال الحنفية نظر لأنهم لا يقولون بفرضية الإتمام بل بوجوبه واستثناء الواجب من الفرض منقطع لتباينهما ، وأيضًا فإن الاستثناء عندهم من النفي ليس للإثبات بل مسكوت عنه كما قاله في الفتح . ( قال ) الراوي طلحة بن عبيد الله ( وذكر له رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الزكاة قال ) وفي رواية الأصيلي وأبي ذر فقال الرجل المذكور : ( هل عليّ غيرها ؟ قال ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( لا إلا أن تطوّع ، قال ) الراوي ( فأدبر الرجل ) من الإدبار أي تولى ( وهو يقول ) أي والحال أنه يقول : ( والله لا أزيد ) في التصديق والقبول ( على هذا ولا أنقص ) منه شيئاً أي قبلت كلامك قبولاً لا مزيد عليه من جهة السؤال ولا نقصان فيه من طريق القبول ، أو لا أزيد على ما سمعت ولا أنقص منه عند الإبلاغ لأنه كان وافد قومه ليتعلم ويعلمهم ، لكن يعكر عليهما رواية إسماعيل بن جعفر حيث قال : لا أتطوّع شيئًا ولا أنقص مما فرض الله علي شيئًا ، أو المراد لا أغير صفة الفرض كمن ينقص الظهر مثلاً ركعة أو يزيد المغرب ، ( قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أفلح ) الرجل أي فاز ( إن صدق ) في كلامه . واستشكل كونه أثبت له الفلاح بمجرد ما ذكر وهو لم يذكر له جميع الواجبات ولا المنهيات ولا المندوبات . وأجيب : بأنه داخل في عموم قوله في حديث إسماعيل بن جعفر المروي عند المؤلف في الصيام بلفظ : فأخبره رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بشرائع الإسلام . فإن قلت : أما فلاحه بأنه لا ينقص فواضح وأما بأن لا يزيد فكيف يصح ؟ أجاب النووي بأنه أثبت له الفلاح لأنه أتى بما عليه وليس فيه أنه إذا أتى بزائد على ذلك لا يكون مفلحًا لأنه إذا أفلح بالواجب ففلاحه بالمندوب مع الجواب أولى ، وفي هذا الحديث أن السفر والارتحال لتعلّم العلم مشروع وجواز الحلف من غير استحلاف ولا ضرورة ورجاله كلهم مدنيون وتسلسل بالأقارب ، لأن إسماعيل يرويه عن خاله عن عمه عن أبيه ، وأخرجه أيضًا في الصوم وفي ترك الحيل ، وأخرجه مسلم في الإيمان ، وأبو داود في الصلاة والنسائي فيها وفي الصوم . 35 - باب اتِّبَاعُ الْجَنَائِزِ مِنَ الإِيمَان هذا ( باب ) بالتنوين ( اتّباع الجنائز من الإيمان ) أي شعبة من شعبه ، واتّباع بتشديد التاء المكسورة والجنائز جمع جنازة بفتح الجيم وكسرها الميت أو بالفتح للميت وبالكسر للنعش أو عكسه أو بالكسر النعش وعليه الميت . 47 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ الْمَنْجُوفِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا رَوْحٌ قَالَ : حَدَّثَنَا عَوْفٌ عَنِ الْحَسَنِ وَمُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : « مَنِ اتَّبَعَ جَنَازَةَ مُسْلِمٍ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا ، وَكَانَ مَعَهُ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا وَيَفْرُغَ مِنْ دَفْنِهَا ، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ مِنَ الأَجْرِ بِقِيرَاطَيْنِ كُلُّ قِيرَاطٍ مِثْلُ أُحُدٍ . وَمَنْ صَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ رَجَعَ قَبْلَ أَنْ تُدْفَنَ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِقِيرَاطٍ » . تَابَعَهُ عُثْمَانُ الْمُؤَذِّنُ قَالَ : حَدَّثَنَا عَوْفٌ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . نَحْوَهُ . [ الحديث 47 - طرفاه في : 1323 ، 1325 ] . وبالسند إلى المؤلف قال : ( حدّثنا أحمد بن عبد الله بن عليّ المنجوفي ) نسبة إلى جدّ أبيه منجوف بفتح الميم وسكون النون وضم الجيم وفي آخره فاء ومعناه الموسع ، المتوفى سنة اثنتين وخمسين ومائتين ( قال : حدّثنا روح ) بفتح الراء وبالحاء المهملتين ابن عبادة بن العلاء البصري المتوفى سنة خمس ومائتين ( قال : حدّثنا عوف ) بالفاء ابن أبي جميلة بندويه بفتح الموحدة وبالنون الساكنة والدال المهملة المضمومة والواو الساكنة والمثناة التحتية العبدي الهجري البصري ، المتوفى سنة ست أو سبع وأربعين ومائة ، ونسب إلى التشيع ( عن الحسن ) البصري ( ومحمد ) بالجرّ عطفًا على الحسن ، وللأصيلي ومحمد بالرفع هو ابن سيرين أبو بكر الأنصاري مولاهم البصري التابعي الجليل ، المتوفى سنة عشر ومائة بعد الحسن بمائة وعشرين يومًا كلاهما ( عن أبي هريرة ) رضي الله عنه ( أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال ) : ( من اتبع ) بتشديد المثناة الفوقية ، وفي رواية الأصيلي وابن عساكر تبع بغير ألف وكسر الموحدة ( جنازة